الأربعاء، 17 مارس 2010

باهظ بما لايعادل؟!

في مقاربة لواقع الإعلام العربي بكل مستوياته وأشكاله واتجاهاته، وفي محاولة لتكون هذه المقاربة بمعزل عن الخيار السياسي، والرأي الشخصي، وفي إطار قراءة موضوعية تأخذ بعين الاعتبار ظروف هذا الإعلام المتباين إلى حد التناقض، وطبيعة الجمهور الذي يتوجه إليه ومساحات الحرية التي يتحرك بها، في ظل مقاربة لهذه المحددات يتكشف لنا أن بعض الإعلام العربي لايتساوق في لغته التعبيرية مع الشارع العربي لوجود تذبذب واضح في تلبيته لاحتياجات جمهوره وتطلعاته وخياراته المتنوعة بين السياسي والاقتصادي والفني والرياضي والثقافي، فيما يتضح بجلاء عجز أكثره عن لعب دور الصانع والمشكل للرأي العام حتى في أكثر الظروف وضوحاً وشفافية وسطوعاً.
وفي ظل ذات المقاربة يتبين لنا أن المشكلة ليست أزمات مالية وبالطبع ليست أزمة هوية ولكنها بالتأكيد أزمة إدارة وكوادر يمكن ملامستها بشكل أكثر حدة في الصحافة المتخصصة أو الفضائيات ذات النوع الواحد أو الخيار الواحد، كما يمكن ملامستها بجلاء أوضح في الإعلام المتنوع من صحافة أو تلفزيون، والذي لايستطيع حتى في ظل هويته المتنوعة أن يستحوذ على جمهور دائم..
إذاً هي مجدداً أزمة الكادر، والخبير، والمتمرس، وبالطبع ليس هناك أزمة مشاهد أو قارئ ولعل مراجعة بسيطة للصحافة العربية على سبيل المثال تكشف ضعف عدد القراء و حجم التشابه العجيب في المواضيع والعناوين وحتى الصور ما يبعث على القلق لما آلت إليه الصحافة العربية من تراجع في مستوى الحرية المسؤولة من جهة، ومستوى الأقلام وقدرتها على ملامسة الواقع الإنساني الحياتي والمعيشي للناس.. ويسري ذلك بالطبع أكثر فأكثر على الصحافة العربية التي تصدر خارج الوطن العربي و بعضها ممن وضع ذاته تحت التصرف فسقط في خانة الضعف ذاته، وصار أكثره لايشبه أصله ومبتدأه.. كما يسري ذلك على أشكال الإعلام الأخرى المرئية والمسموعة والذي بات التمييز فيما بينها يشكل استعصاء ذهنياً باعتبارها صورة نمطية تكاد تتطابق مع بعضها البعض، لكن المقاربة لايجوز أن تكون ظالمة إلى ذلك الحد الذي نتجاهل فيه أن بعض الإعلام العربي من صحافة وفضائيات وإذاعات تلعب في أكثر الأحيان أدواراً متميزة وفاعلة إلى حد تصبح فيه خصماً عنيداً ولاعباً بارزاً في المنتديات السياسية، هذه المقاربة هي أقرب إلى مقدمة لفتح حوار مستمر لاينقطع وجدّي للغاية لمعالجة واقع الإعلام العربي والتأكد من أن حجم الإنفاق في الإعلام العربي باهظ بما لايعادل أبداً الناتج الإعلامي والمردود المطلوب منه.
سميرة المسالمة

حماية الاحتيال..؟!

انضمت سورية إلى عشرات الاتفاقيات الدولية في أكثر من مجال، مرتبة بذلك على ذاتها التزامات متعددة، لعل أهمها ما يدل على احترام الحكومة السورية لقواعد تضمن استقرار التبادل التجاري، واحترام سمعة الشركات، وأسمائها التجارية، وعدم تقليد بضائعها، أو استخدام اسمائها وعلاماتها وشعاراتها بشكل يسيء إلى سمعة البلد ومكانته من جهة، ويدفع الشركات إلى الانسحاب والتراجع والإنكفاء عن إقامة مشاريع في سورية، وتوظيف أموال، وتوفير فرص عمل لآلاف المواطنين من جهة ثانية.
لكن ما يحدث في واقع الحال يختلف عن ذلك، فهناك شركات أوروبية تتعرض لعمليات ابتزاز فريدة من نوعها بسبب قيام أشخاص سوريين وبشكل إفرادي ودون أي سند رسمي «أي ليسوا وكلاء لهذه الشركات الأجنبية» بتسجيل علامات تجارية لدى وزارة الاقتصاد والتجارة ­ مديرية حماية الملكية، حيث تستخدم شهادات تسجيل الأسماء الأجنبية لمفاوضة الشركات العالمية وابتزازها ماليا.
وقد دفع ذلك بعض هذه الشركات إلى بدء نقاش جدي يبدأ من نقطة الانسحاب من السوق السورية ويمر عبر خسارات مالية كبيرة وخسارة مئات فرص العمل. والأهم من كل ذلك خسارة سمعتنا في مقولة واحدة: إننا لا نحترم التزاماتنا وليس صحيحا أننا جادون في الذهاب إلى اتفاقات دولية تحفظ حقوق هذه الشركات.
وبينما يطالب تجار سوريون بحفظ حقوقهم في الخارج وتبذل الحكومة السورية كل جهد ممكن لحمايتهم وحماية مصالحهم، فإن بعض الأفراد على قلتهم يضربون بعرض الحائط كل ذلك ويسيئون مباشرة إلى سمعة سورية وحقيقة التزاماتها في الاتفاقيات.
ولعل الأسوأ من كل ذلك هو أن مديرية حماية الملكية في وزارة الاقتصاد وفي فترات متعاقبة هي التي أفسحت المجال تحت عناوين مختلفة وإجراءات غير منضبطة وتناقضات غير مفهومة وربما أشياء أخرى لإمكانية ان يستغل بعض الأفراد كل ذلك لتسجيل علامات تجارية لشركات عالمية كبرى وهم يدركون أنه سيأتي اليوم الذي تدخل فيه إلى سورية لابتزازها ماليا.
وتشكل هذه العمليات من قبل هؤلاء الأفراد جريمة الإساءة إلى الاقتصاد الوطني وإضعاف الثقة به مهما حاولوا تغطية سلوكهم ومحاولة ستر هذه الفضائح بتعهدات من قبل المتعهد الذي يقدم لدى مديرية الحماية من أن طالب التسجيل يقرّ بأن الاسم الذي يحميه لا يمثل شركة عالمية على سبيل المثال، أو من خلال ستر هذه العيوب بأحكام قضائية وقرارات مختلفة، من هنا وهناك، ما أنزل الله بها من سلطان.
ما يحدث ليس أمراً عاديا، نضعه، هنا، برسم الحكومة السورية بوزرائها المعنيين: المالية و الاقتصاد والعدل والشـؤون الاجتماعية والعمل، وبرسم مديرية حماية الملكية بكل إداراتها المتعاقبة خلال السنوات التي شهدت مقدمات التحولات الكبرى في سورية اقتصاديا واجتماعيا والتي رافقتها إجراءات وتطبيقات غير مفهومة في تلك المديرية العجيبة؟!..
نحذر مما يحدث، ونطالب بحماية للإنجازات، وبحماية لسمعة البلد وبتأكيد مبدأ سيادة القانون واحترام التزاماتنا واتفاقاتنا في كل مجال وميدان، ونطالب الجهات المعنية الوصائية والقضائية والتفتيشية التحرك فوراً لإعادة الأمور إلى نصابها قبل أن نجد عشرات الشركات وهي تغادرنا غير آسفة لسبب سلوك القلة التي يجب محاسبتها بجرائم الاحتيال وغش الدولة والإساءة إلى الاقتصاد الوطني موظفين كانوا أم تجاراً أم أفراداً عاديين.
ارفعوا الغطاء عن هذه المهزلة قبل أن تتحول هذه الحكايا إلى سمعة تشوه حراكنا الإيجابي والتصاعدي، والذي يثير في كثير من جوانبه إعجاب الآخرين قبل أهل الدار.نفترض أن الجهات ا لوصائية تحركت فعلياً، وشكلت لجنة قضائية إدارية ­ اقتصادية تضع يدها فوراً على مديرية حماية الملكية لتراجع ما جرى تسجيله خلال السنوات الماضية، وتسأل عمّا إذا كان هذا التسجيل منسجماً مع القوانين أولا، وكم هو عدد الشركات العالمية، والماركات وشركات الإدارة والتسويق في السياحة والاقتصاد والتجارة وجميع أنواع البضائع قد سجّلت أسماؤها بشكل صحيح أو محوّر، ـ أي متلاعب به ـ ولمصلحة من؟ وهل يملك من سجّل هذه المعلومات امتيازاً أو تفويضاً من الشركات العالمية؟ مع مراجعة مهمة للفئات التي تسجل عليها الشهادات حيث يجري العبث العجيب الغريب، وحيث لا يدرك أحد ولا يفهم أحد مدى خبرة الموظفين الذين يقومون بالتسجيل، وما إذا كانوا سمعوا، أو خبروا، أو أدركوا شيئا عن هذه الأسماء أو الشعارات المستخدمة والمسجلة أم إن الأمر كله في أفضل حالاته اعتباطي وناشئ عن غفلة وقلة خبرة، رغم أننا لا نميل إلى هذا الرأي للأسف لأن ما يطرح في كواليس الشركات العالمية يحبط النفوس ويتجاوز الجهل والغفلة إلى احتمال وجود فساد متعمد يوهمنا أنه تحت الحماية؟!...
سميرة المسالمة

من بغداد الذاكرة إلى بغداد الأمل

عبّرت وجوه من رأيناهم من مواطنين عراقيين بسطاء عن عمق الفرحة في وجود سوريين بينهم وقال أحدهم: «حلت البشاير».. ابتسامة فرح حقيقية غمرت أحد المواطنين وهو يتحدث إلى صديقه بلهجة عراقية.. « العراق بخير­ السلام قادم».
بعد أن ألقيت بتحيتي عرف أنني سورية فسألته عن دلالة زيارة وفد سوري إلى العراق فأجابني بسؤال ليتأكد من الأخبار المتداولة: هل حقاً رئيس الوزراء السوري قادم؟.
الترحيب الشعبي بهذه الزيارة يفسر معانيها عند العراقيين «العراق عاد إلى الحضن العربي» ودائماً كانت سورية هي عمق العروبة في العراق، فالزيارة لم تعد خبراً غير مؤكد يتناقله الناس بل أصبحت واقعاً ومعلومة صحيحة يتداولونها فيما بينهم وفي مجالسهم الخاصة، إنها إعلان السلام القادم إليهم عبر أجنحة عربية تتوافد يوماً بعد يوم إلى بغداد..
زيارة رئيس مجلس الوزراء المهندس محمد ناجي عطري بكل مضامينها السياسية والاجتماعية والاقتصادية تعني الكثير للشعبين السوري والعراقي كما تعني الكثير لقطاع الأعمال السوري والعراقي فهي فاتحة أعمال جديدة تبدأ معلنة أن لا نهاية تحكمها..
فزيارة عطري الرسمية مع وفد وزاري كبير ورجال أعمال أسست للتعاون في عدد كبير من المجالات حيث نتج عن الاجتماعات المشتركة مقترحات سيكون من شأنها رفع حجم التبادل التجاري الذي يقارب الآن 800 مليون دولار إلى أرقام يقول الخبراء: إنها ستصل إلى أكثر من ملياري دولار العام القادم بينما ينشد الشارع على ضفتي الحدود أرقاماً أكثر وأكثر إذا عادت الأمور إلى طبيعتها وانسابت الزيارات والوفود عابرة للحدود..
الاتفاق على إزالة كل العوائق المتعلقة بالتجارة البينية وتسهيل مرور السلع من أكثر من منفذ جمركي ودراسة إمكانية تعديل وتطوير الاتفاقات وتوقيع البعض الآخر منها في مجال المناطق الحرة وتشجيع الصادرات والاستثمار وتجنب الازدواج الضريبي والتعاون التقني والعلمي والصناعي وقطاعات أخرى كثيرة نعتقد بأنها ستؤسس لمرحلة جديدة من التعاون الثنائي المعوّل عليه لأن يكون منطلقاً لتعاون إقليمي أشمل..وبذلك تكون سورية وضعت أساسات التجمع الإقليمي الاقتصادي الذي يضم دول جوار العراق ودول جوار سورية وسيكون عمقه الطبيعي الدول العربية..
وهذا يعني أن سورية وحدّت بين الرؤى الإقليمية والرؤى العربية اقتصادياً ليكون قدر أهل المنطقة بيد أهل المنطقة وليس بيد غيرهم ولا بفعل سواهم..
لقد نادت سورية في منتصف القرن الماضي لتوحيد الأسواق العربية وكسر الحواجز التي تحول دون توحيدها لانسياب السلع العربية فيما بينها وبدأت بمنطقة عربية حرة في قمة القاهرة عام 1996 لقناعتها بأن الأسواق العربية الموحدة هي وحدها القادرة على جذب رأس المال العربي المهاجر إلى أرض الوطن، كما أنها ستكون الجاذب الأكبر للرأسمال الأجنبي ليتوافد إلى المنطقة العربية للتعامل مع سوق عربية فيها أكثر من 350 مليون مستهلك..
وسورية لم تأل جهداً طوال تلك الأعوام في وضع هذا الحلم موضع التنفيذ فعملت على محورين : القمم العربية والعلاقات الثنائية واليوم العراق وسورية في امتداد طبيعي وجسر لقدر واحد غايته المواطن العربي ومصلحة المواطن العربي..
زيارة عطري استذكرت التاريخ العراقي فخراً والعلاقات السورية­العراقية عملاً والمستقبل أملاً..
وجاء خبر الزيارة لنا كوفد سوري محمولاً بالآمال مزروعاً كما كنا نتصور بغداد «الأربعين مليون نخلة» تتمايل على جانبي الطريق من المطار إلى الفندق، كنا نحمل معنا في حقائب ذكرياتنا كل ما أحببناه عن بغداد وكل حكايات الأطفال التي كانت تدور هنا في بغداد وعلى شطآن دجلة والفرات.
لكن ما إن وصلنا المطار حتى عرفنا أن العراق يحتاج ليعود كما كان في الذاكرة الكثير من الحب والكثير من الأمل والكثير من العمل.. أطفالنا سألونا: هل حقاً ستزورون بغداد التي تمتلئ بجنود الاحتلال المدججة بالسلاح؟
قلنا لهم: العراق آمن بأهله وشعبه وجيشه الوطني ورغم السيارات المصفحة التي نقلتنا إلى حيث نقيم شاهدنا العسكر الذين زرعوا مكان شجر النخيل ولكن ظل الأمل يحدونا بأننا وصلنا عراق العزة، العراق الذي نحلم به والذي سيكون كما يريده أبناؤه..
فرحنا كثيراً بالزيارة كما فرح العراقيون ونشعر بأن حضور رئيس وزرائنا إلى بغداد يعني أننا ذاهبون إلى العراق الآمن.. نجاح الزيارة لم يأت من توقيع وثائقها الكثيرة فقط إنما لأنها أذابت جليد البعد وعادت لتزهر علاقات عربية أخوية طيبة..
سميرة المسالمة

فساد الذمم والنفوس ...

الأدوات الرقابية هي أدوات علمية وإدارية وقانونية من حيث طبيعتها ومضمونها قبل أن تكون أدوات قضائية، وهي أدوات وقتية بمعنى أنها سابقة وموازية ولاحقة، وهي بطبيعة الحال وقائية ومحاسبية من حيث طريقة تطبيقها، ولذلك فإن مكافحة الفساد عملية تحتاج إلى فتح نقاش واسع حول مسألة الرقابة، وطبيعتها وتوقيتها وأهدافها، وطبيعة النقاش هي التي تحدد أية أولويات ستختارها الدولة في مواجهة الفساد، وبمعنى آخر الوقاية من الفساد كما طرحها السيد الرئيس بشار الأسد في اجتماعه مع حكومة المهندس محمد ناجي عطري بعد التعديل التاسع عليها، هي هدف ضروري وملح، وفي الوقت ذاته فإن هذه الوقاية تفتح الباب عريضاً على ضرورة مراجعة القواعد القانونية والصلاحيات والأنظمة وآليات العمل في كل المفاصل الرقابية من جهة، ومن جهة أخرى على مستوى القوانين والأنظمة والصلاحيات المخولة للإدارات العامة ولجان الشراء والتعاقد، بما يكفل الهروب من التعقيدات والحفاظ على الاستثمارات، وتسهيل الإجراءات، وضمان حماية المال العام، ومواجهة اختلاسه والرشوة والإهمال وغش الدولة، وتفويت الفرصة على القطاع العام، هنا وهناك، عبر التأخير المتعمد وما إلى ذلك...
بشكل عام يجب تحديد مفهوم الفساد وتعريفه بشكل علمي واقتصادي وقانوني، والتمييز بين مستويات الجريمة وحتى مستويات الفساد، ليس للتمييز بين الفاسدين، ولكن لتحديد المسؤوليات والعقوبات وأدوات المحاسبة..
إن تطوير المفهوم الرقابي يعني، فيما يعنيه، أن التوسع في عمليات الرقابة هو توسع نوعي لا كمي، وهذا يعني اعتماد مبادئ علمية وقواعد شفافة وواضحة في عمل إدارات الدولة ومؤسساتها من جهة، وعلاقاتها بالهيئات الرقابية من جهة أخرى. وهذا ما يفرض بالضرورة على جهازين أساسيين هما: الهيئة المركزية للرقابة والتفتيش، والجهاز المركزي للرقابة المالية تطوير ذاتهما القانونية والهيكيلية، وآليات عملها بشكل جذري وثوري وخلاق يتناسب مع التحولات الكبرى التي تشهدها سورية، ويشمل ذلك، أيضاً، تطوير مفهوم دوائر الرقابة الداخلية للمؤسسات العامة، وتحميلها المسؤولية الكاملة والتشاركية مع الإدارة العامة عن نمط من الأخطاء التي قد ترتكب، والتي تنشأ عن عدم قيام هذه الدوائر بممارسة صلاحياتها وواجباتها ومهامها في الحيلولة دون حدوث الأخطاء المالية، أو الإدارية، أو الفساد بذاته، وبمعنى آخر لا يجوز إبقاء الدوائر الرقابة الداخلية وكأنها «أجهزة استطلاع» متقدمة للأجهزة الرقابية تنتظر حدوث خطأ لتبلغ عنه.. ثم نقرأ بعد ذلك عن ملايين مهدورة، أو مسروقة، أو مهربة.. والأهم من ذلك عن نفوس كنا نعتقدها أمنية على البلد فإذا هي حرامي هذا البلد..!
الفساد ليس فقط فساد الذمم المالية، والأخطر منه هو فساد النفوس الذي يبيح بعده كل فساد، ولذلك فإن أي محاسبة لهؤلاء لا بد أن تكون محاسبة علنية، لأن من يبيع نفسه لا يتأخر أبداً في بيع الأوطان.. ولهذا أشكال مختلفة ومتنوعة تؤدي كلها إلى قناة واحدة لا بد من ردمها وتحويلها إلى خبر كان..
الفساد، عملياً وواقعياً، آفة تلتهم مؤسساتنا، ومكافحتها مسؤوليتنا جميعاً، ولعلها تبدأ من مكافحة الفساد في مؤسسات الرقابة أولاً، ونحن في الإعلام واحدة منها...
سميرة المسالمة

شركاء موائد الفساد..؟

المؤسسات، كما البشر، لها مراحل تطور ونمو طبيعي، وهي إن لم تجد إدارات كفوءة تأخذ بأسباب الوقاية من وصولها إلى حالة الترهل، ومن ثم الموت الطبيعي، فهي ­لاشك­ تسير بهذا الاتجاه.. ولعلنا لا نفشي سراً إذا قلنا: إن الكثير من مؤسساتنا تعاني من حالة الكهولة التي أخرجتها من دائرة المنافسة، وحرمتها من تحقيق فعاليتها المنشودة داخل منظومة العمل المتكامل الذي يأخذ بعين الاعتبار حالة التغير البيئي الذي يتطلب تجاوباً مدروساً وعلمياً، وله سيناريوهاته الموضوعة مسبقاً من الإدارات العليا.
وإذا كان كثير من مؤسساتنا الحكومية قد استسلمت لقدرها في المرور بمراحل العمر المختلفة وصولاً إلى المغادرة، فإن مؤسسة الفساد طرحت نفسها بقوة بيننا لتؤكد أنها مؤسسة فتية ومتجددة الشباب، إذ أثبتت قدرتها على إنتاج مكوناتها وآلياتها بطريقة عنكبوتية يصعب اختراقها بسهولة.
وباعتبار أن مؤسسة الفساد لم تُطرح في الأسواق على أنها مؤسسة قانونية، فأول ما أنجزته لنفسها هو الوسائل اللازمة لتحقيق ذاتها من القانون، وابتداع أساليب جديدة للالتفاف عليه، مما يجعلها في مأمن من الملاحقة والمعاقبة كما يُخيل لها.
ولعله من البديهي والطبيعي والمفهوم أن تبذل مؤسسة الفساد كل جهدها للحفاظ على وجودها، وتغلغلها بين المؤسسات جميعها، إلا أن ما هو غير طبيعي وغير مفهوم أن تكون آليات معالجة الفساد ومواجهته والوقاية منه، متخلفة أحيانا، بل تسهم في أحايين أخرى، سواء عن قصد أوغير قصد، في إطالة عمر مؤسسة الفساد وتفرع أذرعها في كل مكان، سواء كانت هذه الأذرع متورطة حقاً في الفساد كجرم أم مغلوب على أمرها تنفذ، بحكم التقليد أحيانا والتبعية في أكثر الأحيان، ما يصلها من قرارات وإيعازات وأوامر..
إن أول المناخات التي تستفيد مؤسسة الفساد منها هي غياب قيمة الزمن لدى المؤسسات المعنية بالرقابة والمتابعة وقياس الأداء، ذلك أن الزمن كقيمة لا يقاس بشكل رقمي، بل يقاس بعائدية هذا الزمن سواء لجهة تعاظم الأخطار والأضرار أم لجهة فوات الربح على الدولة، أم لجهة نظرة الجمهور المطلع، أو العارف، أو العالم بوجود فساد متروك رغم مرور الوقت، ورغم رائحته التي تزكم الأنوف.
ولو أجرينا، في أي وقت، بعض استطلاعات الرأي في الشارع الاقتصادي أو الإداري أو حتى في الشارع العادي، لوجدنا إشارات بالكلمات أو بالأصابع إلى مواقع للفساد لا تمس أحياناً، أو تبقى تحت عمليات التفتيش والرقابة أوقاتاً طويلة، وتنتهي في بعض الأوقات إلى لا شيء، أو إلى شيء بسيط لأن الارتكابات تموت بفعل التقادم المفتعل..؟!
إن ما ينشأ من أضرار عن صرف النفوذ واستغلال الوظيفة ليس، فقط، قيمة مالية موجودة ومعترفاً بها. بل هناك قيم أخرى غير منظورة تنشأ أحياناً عن تأخر بعض الادارات والمديرين والموظفين عمداً عن ممارسة واجبات ومهام في انتظار عروض أفضل وخيارات أكثر ربحية لجيوبهم، وليس للدولة.
تحت عناوين إدارية تبدأ من التدقيق لتنتهي بالبحث عن «مصلحة الوطن»، والحقيقة هي البحث عن مصالح ضيقة ومحدودة، وقد لا يكون صعباً التضحية من أجلها بمصلحة الوطن نفسها.
وفي كل الأحوال، الحرب على الفساد لايجوز أن تتبع سياسة الحملات التي يفصل بين كل حملة وحملة فساد، بل جبال من الفساد تكاد تحجب الرؤية، وتضلل المسار، وتجثم على صدر الحقيقة والعارفين بها كما الموت المحتم..
يجب أن تكون الحرب على الفساد، أيضاً، عملاً مؤسساتياً يكون فيه القضاء آخر المحطات، وتكون فيه الرقابة السابقة والموازية خياراً أساسياً وملزماً، وقرارات المعالجة سريعة لا تفسح مجالاً للمراوغة والمداورة، وربما للوساطة، أن تكون كلمتها مقابل كلمة الحق والحقيقة والصواب...
إن من صرف نفوذه، واستغل وظيفته لم يولد بيننا بين ليلة وضحاها، بل ترعرع بحماية من يكبره فساداً، وكبر في ظل صانعي مناخ الفساد، وأصبح أحد أعمدة مؤسسته على قاعدة: إن مَن يأكل العشرة يطعم التسعة..
إذاً، علينا أن نبحث مع كل ما اقترفه من هم اليوم قيد التحقيق، وأمام القضاء، عن شركاء موائدهم، لعلهم كثر بيننا...
سميرة المسالمة

صناعة المناخ الاستثماري...

صناعة المناخات الاقتصادية ليست مجرد شعارات إعلامية على الرغم من أهمية الإعلام وضرورته لجهة التعريف والتنوير، وإدارة الحوارات حول هذه المسألة، وهذا يعني أن ثمة شروطاً ضرورية أخرى وسابقة لتأسيس واقعي وحقيقي للفرص الاستثمارية في سورية، مع ملاحظة كل المعوقات الموضوعية منها، والمصطنعة، بغض النظر عن حجم هذه المعوقات وعن مصدرها أحياناً، وكي لا نبقى في العموميات التي لا تنتج في الكتابة إلا التمويه والتشابك، بينما الدخول الى الخاص والمباشر يؤسس لكتابة نوعية ذات هدف واضح وشفاف...
صناعة الاستثمار لا تحتاج، فقط، إلى رغبات وعواطف وكلام منمق وجميل ودعوات، وعلاقات شخصية تشجع بعض المستثمرين على الحضور فحسب، بل هي بحاجة إلى ثقة من المستثمرين لعناصر أساسية تجعل المستثمر واثقاً ومعتقداً، إلى حدّ اليقين، بأنه سيربح ويستفيد مادياً، وبلغة الأرقام وليس بأي لغة أخرى، وهذا يعني أنه سيتعرف على سورية من خلال دراسته الاقتصادية الخاصة التي ستأخذ بعين الاعتبار كل العوامل الاقتصادية والقانونية والسياسية بما في ذلك الأنظمة والإجراءات واليد العاملة والوقت كقيمة، وأخيراً سيأخذ بعين الاعتبار التسهيلات التي تقدمها الدولة وموظفوها ونوافذها الواحدة، وكبار مسؤوليها، ومحاكمها ومصارفها.. ثم يتخذ القرار بذاته مجرياً الكثير من المقارنات مع المناخات الاستثمارية في دول أخرى ليقرر أين سيوظف أمواله؟
إذاً نحن في قضية الاستثمار خاضعون للمنافسة مع دول أخرى، وتسهيلات مماثلة ووافرة، وإجراءات أمام دوائر الدولة تكاد تصل إلى حدود هائلة في السرعة والموافقة والدعم أحياناً من قبل أجهزة دول أخرى..
والسؤال الذي يطرح نفسه: كيف نجذب مستثمرين؟ وليس، فقط، من الاعتقاد بأننا الأفضل مناخاً وقوانين وإجراءات .. علينا أن ندرك أن كل المستثمرين العرب يحبون سورية، ولكن محبة سورية شيء، وتوظيف أموالهم في مشروعات في سورية شيء آخر. الأصل في المسألة، إذاً، هي صناعة المناخ الاستثماري القائم على العلانية والشفافية والسرعة التي يجب أن تكون متسارعة ومنافسة لسرعات الآخرين..
في بعض الدول يمكن أن تؤسس وترخص لشركة خلال ساعات، بينما علينا أن نواجه أنفسنا بأسئلة نجيب عنها بكل صراحة: كم الزمن اللازم للترخيص في سورية؟ ولماذا هذا الزمن؟ ومن المسؤول عن كل هذا الزمن الذي يهدر، ولمصلحة مَنْ يهدر؟!
وإذا سجلنا لذاتنا ذلك التطور الحاصل على مستوى الصياغات والنصوص والبلاغات، فعلينا أن نسجل، أيضاً، تلك الهوة الشاسعة في قضايا التعليمات التنفيذية للواقع العملي وطول الإجراءات وفقدان الإحساس بقيمة الوقت لنا وللمستثمرين.
وهذا التسجيل ليس من باب التقويم فقط، بل هو من باب تسليط الضوء على واقع لا يتناسب مع حجم المتغيرات التي طرأت على قوانين غايتها تشجيع الاستثمار.
ولذلك يجب أن تتوافق عناصر ذات صلة بالزمان والهدف والسرعة لنتأكد من أن المستثمرين يستفيدون من هذه العناصر التي هي جوهر وسر ما يسمى دراسات الجدوى الاقتصادية في أي مشروع.
يجب أن تتشكل لدى المستثمرين وفي عقولهم، لا في قلوبهم فحسب، ولدى محاسبيهم، وليس لدى عائلاتهم فقط، قناعة تامة وثقة نهائية لجدوى الحضور إلى سورية، ليس لحضور المؤتمرات والزيارات فقط والاطلاع على المشاريع المعروضة للاستثمار، بل للاستثمار فعلاً والبحث بذاتهم عن مشاريع استثمارية لم تدرس بعد، ولم تعرض من قبل الدولة بعد..
من المؤكد أن ما أنجز على صعيد البنية القانونية للاستثمار كان عملاً كبيراً ومهماً، لكن هذا العمل الكبير يفقد زخمه عندما تدخل ملفات الاستثمار دهاليز الموافقات والمناقشات والتراخيص والحديث عن المخالفات، وبين أيدي موظفين في البلديات، وبعض المؤسسات والوزارات ما يدفع المستثمرين إلى ترك مشروعاتهم أحياناً واقفة على طريقة أشجار السنديان «التي تموت واقفة» ويذهبون..
المستثمر أيها السادة شخص أو «شركة» جاء ليوظف مالاً، وأيدي عاملة، وخبرات بهدف الربح السريع، ولكل دقيقة في ملفه وإجراءاته قيمة معايرتها المالية دقيقة، حتى تذكرة الطائرة التي يأتي بها على نفقته إلى سورية هي جزء من حساباته التي توظف للمشروع.. علينا أن نفهم ذلك، ونتعاطى معه على هذا الأساس.
نحن في سورية نؤمن أن من واجب الحكومة صناعة المناخ الاستثماري «وهي قد فعلت حقاً» ومن واجب مؤسسات الدولة، بمختلف اختصاصاتها، أن تؤمن عناصر الحياة لهذا المناخ حتى لا تتبعثر الجهود، وتضيع الآمال...
سميرة المسالمة

ما يجب أن ينجز!..

ليس مهماً وضع الخطط والدراسات بمعزل عن تنفيذها وعن متابعة الخطوات المتسلسلة والمتعاقبة التي تنتهي عادة بافتتاح أو تدشين هذا أو ذاك المشروع.
وبالعودة إلى خطة خمسية سابقة للدولة تبدو المنطقة الشرقية بحاجة ملحة إلى إجراء مراجعة جادة من قبل الحكومة والوزارات المختصة كل في قطاعه واختصاصه لمشاريع وردت في الخطط ولم تنفذ، أو تأخر تنفيذها ولم تكتمل، لكن ذلك وحده لا يمكن الركون إليه كعامل كاف ومؤثر في تنمية المنطقة الشرقية بما يتلاءم مع إمكاناتها وموقعها وحاجات سكانها في آن معا، وهذا يعني بالضرورة أنه لابد من رؤية اقتصادية اجتماعية كلية لتلك المنطقة، تلحظ كل ما تقدم في إطار الأهداف العامة للدولة، ولذلك فإن الزيارات الميدانية التي يقوم بها الوزراء والمعنيون مفيدة على ألا تدخل تقاريرها ونتائجها في دهاليز الاجتماعات واللجان، وتضيع بين زواريب الروتين وتشابك المسؤوليات وفي الوقت المديد الذي عادة ما يأكل الزمن والخطة وحتى المخططين.
على كل حال فإن مشروع التنمية والنهضة الوطنية هو مشروع متجدد بطبيعته ولكنه بحاجة إلى نوع من المراجعة الدائمة والمستمرة دون انقطاع بعيداً عن المناسبات والاحتفاليات والمفاجآت..
إن الدول لا تبنى أبداً إلا بالخطط التي تنفّذ، وهي بالضرورة خطط طامحة ليس مهمتها فقط أن تلحق وتلاحق الوقت الذي فات، وأن تعالج مشكلة مزمنة هنا أو هناك، إن الخطط المطلوبة يجب أن تبدأ من المنطقة نفسها، ومن خلال ما اطلع عليه السادة الوزراء خلال جولتهم، لكن خارطة الطريق الى تنفيذها تبدأ من آلية التعامل مع هذه الخطط لتكون واقعا تنفيذياً يبتعد كل الابتعاد عن الاستعراضات الإعلامية التي لا تسمن ولا تغني من جوع، إلا اللهم إشباع رغبات مَنْ همْ ضمن كادر الصورة ليس إلاّ.. لكن حتى هؤلاء عندما تكون الخطط محكمة، والجدول الزمني مبرمجاً، تصبح هذه الصور أدلة والعَراضات الإعلامية مستندات لمحاسبة المقصرين منهم وغير المنجزين لمهماتهم..
إن المنطقة الشرقية بذاتها هي رصيد اقتصادي فيه من المكونات والتنوع ما يكفل مردوداً مادياً واجتماعياً لا نظير له فيما إذا أحسن استثمار الطاقات البشرية والمادية في ســـــــياق زمني يناسب ­كما قلنا­ الأهداف العامة للدولة، وهنا تبرز قيمة الوقت كعامل أساسي في ظرف استثنائي وملحّ تطرح فيه مقولات التكامل الاقتصادي الإقليمي، وتكون فيه قضية الأمن الاقتصادي والمعيشي والحياتي عنصرا ملحاً في منظومة الأمن الوطني والقومي والإقليمي.
إذاً أمام الحكومة ملف كبير عنوانه: استنهاض وتنمية طاقات منطقة مهمة بكل المعاني فهل نفعل وننجز ما لم ينجز؟ بل ننجز ما يجب أن ينجز ليس نيابة عن الماضي بل استشراف للمستقبل.أمام سورية مرحلة مهمة اقتصادية ليس على صعيد داخلي فقط وإنما على صعيد المنطقة وهذا يستدعي بالضرورة أن نتعامل مع كل ما هو متاح لدينا وفي كل مناطق سورية الشرقية مع أهميتها والغربية مع جدواها والجنوبية مع ثرواتها والوسطى مع غناها لأنها جميعها، أرضاً ومورداً بشرياً، تشكل سورية بواقعها الاقتصادي والقوية بقرارها السياسي.
سميرة المسالمة